مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

النظرة الأخيرة ..


في المدن التي لا تتغير ملامحها، حيث الشوارع تعرف خطوات العابرين أكثر مما يعرفون أنفسهم، تمضي الأيام متشابهة كأوراق ملف قديم.. حيث تتشابه الوجوه والأيام، يصبح الانتظار مهنة لا يُعترف بها، ويغدو الحلم رفاهية لا يجرؤ عليها إلا البسطاء.
في تلك المدينة التي تنام على صدى القطارات، كان الزمن يدور في حلقةٍ من الغبار، كأنه ينسى أن يمضي. الناس يعيشون حياتهم كما لو كانت حكاية قديمة تُروى كل صباح، تبدأ بالانتظار وتنتهي دون أن يتغير شيء.
هناك، على حافة ضجيج القطارات، يولد الناس كل صباح من الرماد على أمل، ويعودون مع الغروب إلى صمتٍ أثقل من التعب. الناس يخرجون صباحاً بوجوه مطفأة، ويعودون مساءً بالوجوه نفسها، لا فرق إلا في الغبار العالق على ثيابهم. هناك، عند المنعطفات التي يلتقي فيها القطار بالضجر، تتكرر الحكايات حتى تفقد معناها، كما لو أن الزمن يدور في حلقة صغيرة لا باب لها ولا نافذة.
عند كل مزلقان، يقف بشر ينتظرون شيئاً لا يسمّونه: وظيفة، نظرة، خلاصاً مؤجلاً. ومع كل صفارة قطار، ينهض فيهم رجاء واهن، ثم يذوب في هدير الحديد، كما تذوب الأحلام في ضجيج المدينة.
تمر الأيام هنا كما لو كانت شريطًا شفافًا، كأن العالم قد توقف عند محطة واحدة.. نراقبه ونحن لا نحرك شيئًا سوى أنفاسنا التي تكاد تتوقف، ننتظر ما لا ندرك أننا فقدناه منذ زمن.. ننتظر بعيون فارغة شيئًا لم نعد نعرفه، كأن حياتنا تمرّ في ضجيج القطارات دون أن نلمسها.. ندرك أن ما ننتظره ليس أكثر من صدى لأحلام غابت عنا قبل أن ندركها، تاركةً فقط صمتًا أعمق من كل أمل. 
الوجوه نفسها تمرّ ،.. القطارات تهدر كما لو أنها تأخذ معها كل انتظار لم يكتب..أنفاس الناس والقطارات تتشابك مع دموع صامتة، وهي تبحث عن لحظة لم تُولد بعد، عن نظرة تختفي قبل أن تعرفها.. حياة تتساقط كأوراق خريفية، ونحن نظل واقفين، نبحث عن نظرة لم تعد لنا، عن فرصة لم نعرف أبدًا أنها كانت معنا... 
وحده الوجع يبقى صادقاً، ووحدها النظرة الأخيرة— تلك النظرة الشاردة التي تومض لحظة ثم تختفي — تكشف كل ما لم يُقَل: أن الحياة تمضي، ونحن، في كل مرة، نظن أننا ننتظرها، بينما نحن الذين فاتنا موعدها منذ زمن بعيد. في تلك اللحظات العابرة بين صفير القطار وهديره، تكشف الحياة عن وجهها الحقيقي: وجه الانتظار. وربما، في نظرة شاردة واحدة، يمرّ عمرٌ كامل دون أن ينتبه أحد.
شيئًا لم يأتِ الجميع ينتظره، وبعضهم لا يدرك أبدًا أنه كان ينتظر نفسه.. لم يُدرك أن حياته كانت تمرّ بينما كان ينتظرها.
في مكانٍ واحد، وزمنٍ لا يتحرك، يصحو كل يوم على الأمل نفسه — حتى يعبر قطار أخيرًا، فلا يبقى منه سوى ظلّ.
وفي صمت هذا الصباح، كان الناس يشعرون أن القطار ليس وسيلة سفر، بل كائنٌ يعرف أسرار أرواحهم.. يؤمنون أن للحياة معنى يتكشف في العيون البسيطة عند انبلاج الصبح في برود حديدي لمدينة علّمتهم أن الانتظار هو الشكل الأصدق للعيش حين يفشل الإنسان في أن يكون حراً.. كل صفيرٍ بعيد كان يوقظ السؤال القديم: هل ينتظرون مرور القطار، أم ينتظررن أنفسهم التي ضاعت على الرصيف؟منعطف هلالى، أعبره مرتين يوميا. صباحا وعصرا. صيفا وشتاءا. هنا، حيث تهتز الأرض، مثيرة أتربتها، فى وجوه وقوف منتظرين، لعبور مزلقان قديم. كل صباح، نفس الحافلة. كل يوم، نفس الروتين. إنتظار. إنتظار. إنتظار. إنتظار لحلم، يسافر بى. أصبحت قطعة إنتظار. كم وددت أن أذهب، لمكان آخر. لكن، هنا.. حيث يبتسم لى سائق قطار، كلما مرّ بى، بوجهه الأسمر المريح. شئ ما ربطنى بهذا المكان، بضجيجه. أمر ما يجعلنى أنتظر إبتسامته المشرقة. أنتظر صافرته، من بعيد، فى رحلته، إلى شرق المدينة، راحلا، بدبيب الحياة.  يلقى لى بنظرة، وهو يهدأ سرعته، مارا بمزلقان، وتوقف إشارة مرور. مختفيا، فى سحابة غبار، وإختفاء نداءات الباعة، وهديره، على القضبان. عادة، لا يمرّ سوى دقائق قليلة، من إنتظارى، حتى يعبر مكتظا. يترنح، بحمولته البارزة، من الأبواب. يمرّ بمزلقان، إحتل طول جانبيه، باعة جائلون، قرب إشارته الضوئية. وعامود كهربائى، لجرس مزعج. يؤذنان بقدومه، من أحد إتجاهي المدينة، إلى محطة مجاورة. لا أعرف كم شركة، قدمت أوراقى إليها، طيلة السنوات الماضية. لا أتذكر. لا أتذكر. نسيت كم مضى، منذ تخرجّى. نسيت. نسيت، كم أجريت إختبارات إلتحاق بشركة ما. تبينت مؤخرا، أنه قد مرّت أحلام لا تحصى. أخيرا، إستلمت خطاب معنون..
(المهندس/ فتحى رشيد: 
المركز الرئيسى
راكودة للكيماويات والصناعات التحويلية 
الحضور تمام الساعة العاشرة صباحا، الإثنين أول أبريل، لمقابلة مدير عام الشركة - ومعك مسوغات التعيين.
مدير الموارد البشرية)
بالأحرى، كان علىّ ترتيب رزمة أوراق رسمية. ملف جديد، بدلا ممّا إهترأ. مجموعة أختام زرقاء وحمراء.  صور وكلمات ضاعت ملامحها، على مستندات، بشعار، جناحىّ نسر.
مضيت قبل الموعد، لخارج المدينة. كل ما خطر على بالى، كيف أكون هذا اليوم، جزءا من حمولة، تلقيها، غربا، كل صباح؟ قائلا، فى نفسي:
-"لابد أن الشركة مهتمة بتوظيف مهندس كيميائى، ليصمم الموقع ويشرف عليه. تضمن تحويلا آمنا وإقتصاديا، لمواد كميائية خام"
حرصت أن أصل مبكرا. خطوت خطوات قليلة.. وقفت، تحت ظلّ شجرة كبيرة. إستندت إلى جذعها الضخم، تظللنى أغصانها.. وعلى مرمى مسافة قريبة، رنوت إلى بوابة حديدية سوداء كبيرة، علت خلفها، واجهة مبنى زجاجية زرقاء. يفصل أشكالها الهندسية، أعمدة معدنية بيضاء، وقد لمعت فى ضوء الشمس، وزرقة سماء صافية.. حروف صفراء كبيرة " راكودة.."  أقنعت نفسي:
- " أخيرا.. لا شكّ يحتاجون لى. فرصة تعيين جيدة. فرع شركة جديد. تصميم. بناء. إدارة مصنع. تفاعلات كيميائية"
وقفت ممسكا ظرف أوراقى. أراجع مع نفسي، وقد لمعت الواجهة أمامى، بزخم دفء شمس صباح ذهبية. أتمتم.. مبادئ الهندسة الكيميائية الأربعة:
- " مبدأ التفاعلات الكيمائية. حفظ الطاقة. الاتزان الكيميائي. حفظ المادة"
أخذت أكررها. أذكر نفسي بها، تارة أقول:
-"الطاقة حفظ. المادة حفظ.."
وتارة:
-" تفاعلات تفاعلات. اتزان اتزان"
وكأنى لم أدرس منها شيئا طوال سنين. نظرت إلى ساعتى. كانت التاسعة والنصف. ورغم الطقس الربيعى، كنت قلقا. واستحضرت، من جديد:
- " المهندس الكيميائي أربع مبادئ  أساسية.. المادة المادة. الطاقة الطاقة. الاتزان الكيميائي الاتزان. التفاعلات  التفاعلات"
إستوقفنى رجل أمن، بزىّ برتقالى داكن. أظهرت له، هويتى والخطاب الممهور بختم الشركة، لأدخل. كان هناك عددا من الخيالات، من بعيد. منيّت نفسي، أن إنضم إلى صفوفها، بموجب الخطاب. تذكرت، حينما سألتنى لجنة إختيار من قبل، عن معنى الهندسة الكيميائية. أجبت:
- "التصميم الهندسي للصناعات الكيميائية. تصميم أمثل لاختيار عملية صناعية. ظروفها. موادها. والأجهزة اللازمة.."
لم تقتنع اللجنة. ببساطة كانت مجرد "ديكور". همس لى أحد المتقدمين:
- "لا تتعب نفسك. لا فائدة. الأمر كله عبث.. مجرد شكليات.. هيا بنا.."
أدركت حينها، أن الأمر أكبر بكثير، من مجرد تصنيع  مواد كيميائية. شككت فى إنتهائى، من دراسة هندسة الكيمياء وتفاعلاتها. راكودة.. الأمر ليس فقط طحن مواد كيميائية صلبة أو خلط. تقطير وبلورة. ترشيح وتذويب. استخلاص نتائج. لابد من واسطة، لأتعين مهندسا كيميائيا. رغم ذلك، كررت لنفسي، من جديد، المبادئ، ربما أكون قد نسيتها:
- "قانون حفظ المادة. مادة. حفظ الطاقة. طاقة. الاتزان الكيميائي. اتزان. التفاعلات الكيمائية. تفاعلات"
وأمضيت وقتا فى التمتمة، قبل المقابلة:
- "هندسات المواد والتحكم والبيئة. انتقال المادة والحرارة. كيمياء عامة وعضوية. وتآكل"
أسمعت نفسي، كأنى أعرف هذه المصطلحات، لأول مرة. لم أيأس من عدد مرّات، تقدمت فيها، بدون واسطة.. ذهبت.. ومازلت أنتظر، فى نفس الموعد. صباح كل يوم. جانب نفس الإشارة، بالضبط، لأستقل حافلة. أرى المركبات نفسها. نفس القطار. نفس الركاب. الباعة. المنتظرون أنفسهم، على جانبى المزلقان. ذات المسار. نفس الطريق المملّ. الهرب، من مدينة، لا يمكن أن تكون شيئا آخرا، فى أفق بعيد. كما لو كانت غير موجودة، بالمرّة. لا يسعها أن تكون كذلك. تبقت هناك نداءات الباعة الجائلين، والضجيج. أكوام متراكمة، حول صندوق حديدى كبير. المنتظرون أنفسهم. وقد توقف القطار على "مزلقان"، فوق جثة. ذكر أحد شهود الحادثة:
-" كان يحدث نفسه، بصوت عال، عن أمر ما، فى الهندسة الكيميائية. قبل أن يدهسه القطار، ويبتلع صوته، صدى هديره. سمعته يقول:
- "حفظ المادة. مادة. طاقة طاقة. اتزان  اتزان. تفاعلات تفاعلات.. راكودة راكودة.."
الحقيقة الغائبة دوما تكشف عن وجهها. حيّة سافرة، وإن تأخرت. بلا حراك. بين حديد وأرضية بازلتية. تحمل هموم البشر. لم يكن هناك أكثر من بقايا لحم. شظايا عظام. وظرف أوراق أصفر مهترأ. إلتصق بأشلاء شطرى جثة، ممزقين.
وفي عينيه ارتجفت لحظة خاطفة، بدت فيها الحياة كلها انعكاسًا لنظرةٍ لم تحدث بعد.
 تلاشت نداءات الباعة. بلادة موت. لزوجة غريبة، لسحابة غبار. طوت أحلام مارين ووقوف. مصير محتوم. نهاية دوامة. من سافر للشرق بعيدا، راحلا، فى ضحى الشمس.
اختفت ابتسامة السائق الأسمر خلف الغبار، وتلاشت الوجوه سكتت الأصوات. غابت الابتسامات، وبقيت النظرة الأخيرة وحيدة معلقة في الهواء، كصدى لم يُسمَع، كحلم لم يُحقق. تعكس في صمتها كل حياة لم نعيشها، وكل أحلام تاهت قبل أن تولد."
بدت الأصوات وكأنها تعيد نفسها بلا نهاية، وأنا أراقب نفسي من بعيد، أبحث عن شيء لم يعد أحد يذكر أنه موجود.
ومع كل مرور قطار، يدرك المرء أن الحياة لم تتوقف يومًا، بينما نحن، الذين انتظرناها طويلاً، أصبحنا جزءًا من صمتها الأبدي.. نعدّ اللحظات التي لم نعيشها، وحيدة، كما لو أن الزمن نسي أن يتوقف لأجلنا.. حياة تمضي دون ضجيج، كأننا لم نكن إلا همسًا ضائعًا بين القضبان.
لن أرى نظرة السائق الأسمر، مرة ثانية. لن أرى إبتسامته المشرقة، أبدا. غابتا، فى لحظة حديث نفس، وإختفاء نظرة شاردة، إلى السماء..
بعد ساعة، مرّ القطار نفسه، بالركاب أنفسهم، والباعة أنفسهم. لا أحد التفت إلى البقعة الداكنة قرب القضبان، ولا إلى بقايا ظرف أصفر مهترئ. وحدها الشجرة الكبيرة ظلّت في مكانها، تلقي ظلها على الأرض، كأنها تحفظ سرًّا سخيفًا عن رجلٍ كان يؤمن أن الكفاءة أكثر  وزنا من الواسطة.
في المساء، اجتمع بعض المارة حول شريط القطار. أحدهم تمتم وهو يمسح الغبار عن حذائه آسفا حزينا:
— " حرام... يقولون كان مهندسا!"
وردّ آخر وهو يطوي جريدة قديمة:
— "مهندس؟! لا مؤاخذة، من ليس لديه واسطة يظل دائمًا تحت العجلات."
ضحك الثالث، بضحكة قصيرة متقطعة، ثم مضى في طريقه إلى عمله المتأخر، وهو يردد:
— "على الأقل ارتاح من الانتظار!"
في اليوم التالي، مرّ القطار في الموعد نفسه. كأن شيئًا لم يحدث.. كان الهواء مشبعًا بصدى اللحظات الماضية، كأن الزمن نفسه يتنفس ببطءٍ فوق الأرصفة.. الناس منتظرون،.. الباعة في أماكنهم يصيحون، الركاب في انتظارهم، والسائق الأسمر ابتسم كعادته، دون أن يدري أن من كان ينتظر ابتسامته بالأمس صار جزءًا من القضبان.
وحدها السماء كانت تعرف أن رجلاً حلم بأن يكون جزءًا من الحياة، فانتهى به الأمر أن يكون جزءًا من السكة. وفي النهاية، بدا كل شيء على ما يرام — كما هي العادة دائماً، حين يرحل إنسان ويستمر النظام في العمل بدقةٍ تثير السخرية.
مع انحسار الصفير الأخير، بقيت المدينة على حالها، فاقدة لنظرتها الأخيرة، ونحن صامتون بين صدى حياة يمرّ دون توقف.. 
هكذا، في صباح اليوم التالي، حين أطلق القطار بوقه المعتاد، بدا كل شيء كما كان. لم يتغير سوى شيء واحد صغير: لم يعد هناك من ينتظر نظرة السائق الأسمر. ومع ذلك، ظل السائق يبتسم، كعادته، للفراغ.
بين هدير القطارات وصمت المدينة، أدركت فجأة أن ما انتظرناه لم يكن إلا فراغًا يحمل وجوهنا، وأننا صرنا نحن القطار، نحن القضبان، نحن الانتظار نفسه.
في ضجيج القطارات، وبين وجوه لا تنسى ولا تُعرف، مرّ عمر كامل كظل خفيف. لا أحد لاحظ شيئًا. وحدها الأرض تذكّرت، ثم صمتت، لأن هنا، حتى الموت يُعامل بالروتين نفسه.
الانتظار أحيانًا يكون كل ما تبقى من الحياة ونظرة أخيرة شاردة.